يقول فقهاء أصول القانون إن القانون ظاهرة اجتماعية لا تُستنبت في فراغ ولا تنشأ من عدم، بل هو زرع ضارب الجذور في أعماق المجتمع متوفرةٌ خبراته وظلاله لينهل منها ويستظل بها جميع أفراد المجتمع.

وبالنسبة لنا في البحرين، فإن المنهل الذي يجب أن نستقي منه تشريعاتنا هو أحكام الشريعة الإسلامية الغراء. ولقد نادى بذلك كل منصف من أبناء الإسلام وكل منصف من غير المسلمين ممن درسوا هذه الشريعة السمحاء التي نظمت حياة الدولة الإسلامية المترامية الأطراف في مشارق الأرض ومغاربها، كما نهل منها الغرب الشيء الكثير وظهر أثرها المباشر في التقنين المدني الذي وضعه نابليون. إذ أنه وفقا للدراسة العلمية الدقيقة التي قام بها الأستاذ سيد عبد الله علي حسين في كتابه "المقارنات التشريعية بين الفوائد الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي" فقد أثبت أن هذا التقنين متخذ من المذهب المالكي، ذلك المذهب الذي كانت له الغلبة في بلاد الأندلس يوم كانت رايات الإسلام ترفرف عليها.

 

 

وبناءً على ما تقدم، فإننا نرى أنه، لكي تكون لنا قاعدة قانونية أصيلة متكاملة تعبر عنا، فإنه لابد أن نغوص في جذورنا كي نستمد منها تشريعاتنا عموماً والتشريع بالنسبة للطفل المعاق على وجه الخصوص.

ونحن، نظراً لطبيعة المقام، لن نستطرد في مناقشة المناهج العديدة التي طرحت من الكثيرين حول كيفية التخلص من الاستعمار التشريعي الذي حل بأمتنا كأحد صور الاستعمار الذي ابتليت به بلادنا الإسلامية، ولكننا في مقامنا هذا سوف نطرح ثلاثة أمور تعد من فلسفة التشريع فيما يخص الطفل المعاق، وهي مستمدة من ثلاث مقولات؛ أولاها للرسول صلى الله عليه وسلم والثانية للخليفة الأول والثالثة للخليفة الثاني:

 

 صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إنما تنصرون بضعفائكم".

 قال أبو بكر الصديق، بعد توليه الخلافة: "الضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ الحق له".

 قال عمر بن الخطاب: "لو عثرت شاة في أرض العراق لسئلت لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر".

ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن فلسفة التشريع الإسلامي فيما يختص بموضوعنا تتلخص في:-

 

 أن الضعفاء في المجتمع هم سر نصر الله. وعلى ذلك فإن أي مجتمع يبتغي العزة والنصر لابد أن يحمي هؤلاء الضعفاء ويرعاهم، فهم سر نصره.

أنه كلما زادت حالة ضعف الإنسان كلما وجب على ولاة الأمر أن يجعلوه أقوى من أي قوي في المجتمع بأن يأخذوا الحق له. فالمجتمع المسلم هو مجتمع العدالة الإنسانية في أسمى صورها.

 أن الدولة الإسلامية مسئولة عن تمهيد الأرض لشاة تقع بعيدا عن دار الخلافة، ومن ثم فمن باب أولى تنعقد مسئوليتها الأكبر بالنسبة للأطفال المعاقين، فتوفر لهم كل سبل التعليم والعلاج والراحة، وتهيئة الأجواء المناسبة لاكتشاف حالتهم مبكراً ثم اتخاذ كل ما يلزم من أجل تيسير حياتهم.

تلك هي الفلسفة التشريعية الإسلامية فيما يتعلق بحقوق المعاقين، أردنا البدء بها لتكون لنا نبراساً ومقياساً لما هو قائم من تشريعات ولما نقترحه من أمور.

 

المعالجة التشريعية لحقوق المعاقين:

ننتقل الآن لإلقاء بعض الضوء على التشريعات واللوائح والقرارات الصادرة بشأن المعاقين في مملكة البحرين:

 

 نص ميثاق العمل الوطني في بدايته، تحت عنوان المقومات الأساسية للمجتمع، على أنه:

"ثانيا: كفالة الحريات الشخصية والمساواة: الحريات الشخصية مكفولة، والمساواة بين المواطنين والعدالة وتكافؤ الفرص دعامات أساسية للمجتمع، ويقع على الدولة عبء كفالتها للمواطنين جميعا بلا تفرقة".

"سادسا: الأسرة أساس المجتمع: ... تحفظ الدولة كيان الأسرة الشرعي وتحمي في ظلها الأمومة والطفولة...."

"ثامنا: التعليم والثقافة والعلوم: ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون.... ويكون التعليم إلزاميا ومجانيا في المراحل الأولى..."

 

 جاء في الباب الثاني من الدستور تحت عنوان المقومات الأساسية للمجتمع:

"م5/أ- الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويحفظ القانون كيانها الشرعي ويقوي أواصرها وقيمها ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة ويرعى النشء ويحميه من الاستغلال ويقيه الإهمال الأدبي والجسماني والروحي، كما تعنى الدولة خاصة بنمو الشباب البدني والخلقي والعقلي."

"م7- ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون وتشجع البحث العلمي، كما تكفل الخدمات التعليمية والثقافية للمواطنين. ويكون التعليم إلزامياً ومجانياً في المراحل الأولى التي يعينها القانون وعلى النحو الذي يبين فيه، ويضع القانون الخطة اللازمة للقضاء على الأمية".

"م31- لا يكون تنظيم الحقوق والحريات العامة المنصوص عليها في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، ولا يجوز أن ينال التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية".

وباستقراء نصوص الدستور نصل إلى نتائج أهمها:

‌أ- أن توفير الخدمات التعليمية للمعاقين – فضلاً عن الصحية – هو التزام قانوني يقع على عاتق الدولة.

‌ب- أنه لا يجوز لأي قانون يصدر أن يضيق من حقوق المعاقين وإلا وُصِم بعدم الدستورية. فقد أكدت المادة (31) من الدستور على أنه "لا يجوز أن ينال التنظيم أو التحديد من جوهر الحق أو الحرية".

‌ج- أنه من حق الأشخاص جميعهم – سواء بأنفسهم أو عن طريق أوليائهم أو أوصيائهم – اختيار نوع وقدر التعليم الذي هو حق كفله الدستور، باعتباره نبض الحياة وقوامها على ما قدرته المحكمة الدستورية العليا المصرية في عديد أحكامها.

 

3. قرار وزير العمل والشئون الاجتماعية رقم 2/1984 بتشكيل اللجنة الوطنية للمعوقين. وقد اختصها هذا القرار "برسم السياسة العامة لتأهيل المعوقين واقتراح التشريعات وإعداد الدراسات والمشروعات الوقائية الخاصة بتنفيذ برنامج العمل العالمي للمعوقين".

4. قرار وزير الداخلية رقم 59/1990 بشأن وضع علامة مميزة على مركبات المعاقين.

5. المرسوم بقانون رقم (16) لسنة 1991 بشأن انضمام دولة البحرين إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة في نوفمبر 1989، والمعدل بالمرسوم بقانون رقم (8) لسنة 2000، وهي اتفاقية تهتم بحقوق الطفل بصفة عامة وليست موجهة للطفل المعاق.

6. قرار وزير العمل والشئون الاجتماعية رقم 10/1992 بشأن الترخيص بتسجيل المؤسسة الوطنية لخدمات المعوقين.

7. المرسوم بقانون رقم (3) لسنة 1996 بالموافقة على الانضمام إلى الاتفاقية العربية رقم 17 لسنة 1993 بشأن تأهيل وتشغيل المعاقين.

وقد عرّفَ كل من الاتفاقية العربية والقانون رقم 74/2006 المعاق بأنه "هو الشخص الذي يعاني من نقص في بعض قدراته الجسدية أو الذهنية نتيجة مرض أو حادث أو سبب خلقي أو عامل وراثي أدى إلى عجزه كلياً أو جزئياً عن العمل أو الاستمرار به أو الترقي فيه، وأضعف قدرته على القيام بإحدى الوظائف الأساسية الأخرى في الحياة، ويحتاج إلى الرعاية والتأهيل من أجل دمجه أو إعادة دمجه في المجتمع".

كما تم تصنيف المعوقين بموجب المادة الخامسة من الاتفاقية المذكورة إلى ثلاث فئات:

‌أ- المعوقون جسدياً: وهم الأشخاص الذين يواجهون إعاقة في حركتهم الطبيعية نتيجة خلل أو مرض أو عاهة.

‌ب- المعوقون حسياً: وهم الأشخاص الذين نقصت قدرتهم الحسية لوظيفة عضو أو أكثر لديهم.

‌ج- المعوقون ذهنياً: وهم الأشخاص الذين يعانون من نقصٍ في قدراتهم الذهنية، ويوثر على عمليات الإدراك والربط والاستنتاج لديهم.

ثم تحدثت عن امتيازات وحقوق في العمل وشغل الوظائف خاصة بالمعاقين. كما نصت المادة (29) منها على أن الأحكام الواردة فيها هي حد أدنى يجب أن يوفره التشريع لتأهيل وتشغيل المعاقين.

8. المرسوم بقانون رقم 17/1999 بالموافقة على الانضمام إلى اتفاقية العمل الدولية رقم 156/1983 الخاصة بالتأهيل المهني والعمال "المعاقون".

وقد عرفت الاتفاقية في مادتها الأولى الشخص المعاق بأنه فرد انخفضت بدرجة كبيرة احتمالات ضمان عمل مناسب له والاحتفاظ به والترقي فيه نتيجةً لقصور بدني أو عقلي معترف به قانوناً". وأردفت المادة الثانية بقولها "تضع كل دولة عضو، بما يتفق مع الظروف والممارسة والإمكانات الوطنية، سياسة وطنية للتأهيل المهني واستخدام المعاقين وتنفذ هذه السياسة وتعرضها بصورة دورية.

9. قرار وزير العمل والشئون الاجتماعية رقم 1/2000 بشأن تعديل النظام الأساسي للمؤسسة الوطنية لخدمات المعوقين، وقد احتفظ بجوهر النظام السابق.

10. قرار رئيس المؤسسة العامة للشباب والرياضة رقم 7/2001 بشأن نشر قيد وملخص النظام الأساسي للاتحاد البحريني لرياضة المعاقين.

11. القانون رقم (74) لسنة 2006 بشأن رعاية وتأهيل وتشغيل المعاقين وقد جاء في خمس وعشرين مادة. وبرغم أنه أعطى الكثير من الحقوق للمعاقين، ويستحق الدراسة لتفعيله إلا أنه يحتاج إلى تكملة ومعالجة ما فيه من قصور حتى يؤتي ثماره.

بعد هذا المرور السريع بالواقع التشريعي الخاص بالمعاقين أو بالطفل في مملكة البحرين، لنا ملاحظة جوهرية تتلخص في أنه إما أن يتحدث عن الطفل بصورة عامة أو عن المعاق بصورة عامة، ولكن لا يوجد أي نص يتحدث عن "الطفل المعاق" بصورة خاصة ويقتصر عليه، وهو الأمر الذي يجب تداركه.

في الجزء الأخير من كلمتنا، والخاص بالمأمول أن يتم تشريعيا، فإنني باعتباري أحد أولياء الأمور لابنة معاقة أعايشها على مدى (29) سنة، أعبر عما ألمسه في الواقع العملي ليكون المنطلق الذي نتحرك منه لبيان ما هو مطلوب تشريعياً.

 

 فإذا كان تعريف المعاق قد أشار إلى أنه من يحتاج أيضا إلى الرعاية والتأهيل من أجل دمجه أو إعادة دمجه في المجتمع، فالطفل المعاق يحتاج أولاً إلى تشخيص حالته مبكراً وإخبار أهله وذويه بحالته، وتأهيلهم نفسيا للتعامل معه كإنسان له جميع الحقوق، لا محاولة إخفائه عن المجتمع وحرمانه من التأهيل كما يحدث في الكثير من الحالات.

 ويحتاج ثانيا إلى تعريف أهله بكيفية التعامل مع هذه الحالة وتقديم الإرشادات المستمرة لهم في مراحل نموه المختلفة مع المساعدة المادية في الرعاية لمن يحتاجها ولا يستطيع وحده الاهتمام بالطفل المعاق وتوفير احتياجاته. ولا أعني بالرعاية المادية تقديم المال فقط وإنما أيضا توفير أماكن لرعايتهم تحت إشراف أشخاص مؤهلين. وأشهد أن اجتهاد زوجتي في هذا الشأن قد سهل كثيرا من الأمور، ولكن ليس لدى الجميع الطاقة والقدرة على العمل الدؤوب.

 يحتاج الطفل المعاق إلى أن يدرك المجتمع أنه إنسان له جميع الحقوق التي يتمتع بها الآخرون، فيتعاملوا معه على هذا الأساس، مما يساعد المعاق على الاندماج في المجتمع.

 يحتاج المعاق الطفل إلى توفير ما يناسبه من التعليم على يد معلمين من ذوي الخبرة والاختصاص.

 يحتاج الطفل المعاق إلى التأهيل الذي يجعله قادرا على الاعتماد على نفسه، ولو جزئيا، ليكون نافعا لنفسه ولأهله ومجتمعه.

 يحتاج، أيضا، إلى توفير العمل الذي يناسب إعاقته وقدراته والذي يستطيع فيه أن يقدم أفضل ما لديه من طاقة وقدرة. وهو العمل الذي إذا أتقنه قد يكون فيه مبدعا متفوقا على زملائه من غير المعاقين.

 يحتاج الطفل– كما البالغ – المعاق إلى ما يناسبه من وسائل المواصلات وحرية التنقل والحركة من مكان سكنه إلى أماكن دراسته أو عمله أو إلى أماكن الترفيه المختلفة.

لكل ذلك فإن الطفل المعاق يحتاج إلى تشريعات تفرض على المجتمع احترامه واحترام حقوقه، وتلزم الجهات الرسمية بتوفير التعليم الذي يناسبه والتأهيل والعمل الذي يجعله قادرا على العطاء مفيدا لنفسه وأهله ووطنه، وتوفر له العلاج والرعاية الصحية التي يحتاج إليها لا أن يُترك ذلك لأسرته تحمله وحدها في حين أنه قد لا يكون في مقدورها تحمل ذلك، خاصة في حالة وجود أكثر من معاق في أسرة واحدة ليس في مقدورها تحمل كل – أو بعض – تلك النفقات.

 

هذا فضلا عن أن اهتمام الدولة والمجتمع بالمعاق يؤدي إلى رفع عبء كبير عن أفراد أسرته الذين لا يستطيعون، أو لا يحسنون، التعامل مع المعاق. وفي ذلك توفير لطاقة أفراد الأسرة للإنتاج المثمر في أعمالهم التي يقومون بها. ورفع مشقة التنقل بأبنائهم وتوفير احتياجاتهم المختلفة. فأسرة المعاق تحتاج إلى أن تشعر باهتمام المجتمع ومساندته لها والوقوف إلى جانبها. ويصب ذلك كله في جانب تقدم المجتمع ورفاهيته.

كما أقترح أن تضاف مادة لقانون العقوبات تشدد العقوبات ضد كل من يأتي فعلاً إجرامياً ضد أي طفل معاق، وذلك لأمرين هما صغر سنه وإعاقته، ومن ثم يجب أن تشدد عقوبة مثل هذه الجريمة.

 

والأهم من كل ما سبق هو تهيئة المجتمع لحب واحترام ومعاونة الطفل المعاق لتكون تلك ثقافة المجتمع. وبذلك يتحقق النجاح الفعلي. ولأن التشريعات وُجدت لتطبق على الناس، فيجب أن يكون الناس مهيئين لها. وذلك هو الدور العظيم والتحدي الكبير لمؤسسات المجتمع المدني.

ـــــــ

رابط المقال الأصلي :

http://www.womengateway.com/arwg/Qadhya+Almaraa/Special+Needs/disable2.htm

  • Currently 243/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
81 تصويتات / 3468 مشاهدة

ساحة النقاش

مؤسسة أنس الوجود التعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم

anasalwogoud
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

724,141